محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
301
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
كثير قبول التوبة من العباد ؛ فقبل توبته ؛ لأنّه هو الموصوف بذلك ؛ ولسعة رحمته لا يؤخّر قبول توبة عبده . والتوبة في اللغة « 1 » هي الرجوع وفي الشريعة هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة . قال القفّال : « 2 » فإذا وصف بها العبد فمعناه رجع إلى ربّه ؛ لأنّ العاصي في معنى الهارب من ربّه أو كالمعرض عن طاعته ؛ فإذا تاب فقد رجع إلى ربّه وإلى طاعته ، والربّ - عزّ وجلّ - أيضا في حكم المعرض عن الرحمة عليه على معنى أنّ الرحمة بالبعد عنه ؛ فإذا وصف بها الربّ ، فالمعنى رجع إلى عبده برحمته وفضله ؛ فالعبد توّاب على معنى أنّه رجّاع إلى اللّه بالندم ؛ واللّه توّاب ؛ لأنّه يعود عليه بالفضل والكرم ؛ ولما ذكرناه وقع الاختلاف في الصلة ، فيقال للعبد : تاب إلى ربّه وفي الربّ تاب على عبده ؛ وكما يقال : عاد فلان إلى الأمير بخدمته وعاد الأمير عليه بإحسانه ومعروفه ؛ وقيل : معنى تاب عليه ، أي تجاوز عنه ، إنّه هو المتجاوز عن الذنوب الرحيم بخلقه ؛ وقيل : تاب عليه ، أي وفّقه للتوبة . قال السدّي في قوله : التَّوَّابُ الرَّحِيمُ « 3 » ( 131 آ ) أي هو المعين على التوبة ، وقال : تاب عليه ولم يقل : عليهما لأنّه إنّما جرى ذكر آدم في هذه الآية ، ولا شكّ أنّ اللّه قبل توبتهما . قال الحسن : فتاب عليه ، أي عليهما . قال المفضّل : إنّ الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحدا جاز أن يذكر أحدهما ويكون المعنى لهما ، كما قال : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها ؛ وروي عن عليّ - رضي اللّه عنه - قال : « التوبة تصفية الأسرار والإنابة بالقلب إلى اللّه » . وقال عليّ بن الحسين - رضي اللّه عنهما - : « التوبة الإعراض عن الخلق والإقبال على الحقّ » وقيل : التوبة على أركان ثلاثة : الندم على ما فعل بالقلب ، والإقلاع عن مثله في الحال ، والعزم على أن لا يعود إلى مثله في المآل . الأسرار قال المصدّقون بكلمات اللّه : إنّ للّه تعالى كلمات قدسية طاهرة زكيّة عليّة يلقّيها من
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 3 ) . في الهامش عنوان : التفسير .